‘ ، لب الموز ،‘
أعيتني الحيلة في فهم كلمة واحدة من أسطر الجريدة، فرميتها بعيدا متخلية عن محاولاتي الفاشلة بالنسيان، فاصطدمتْ صفحاتها بحاسوبي، و تناثرت أشلاء ذات اليمين، و ذات الشمال.
هرعت إليه لعلي أنسى الهمسات المتعلقة كذرات الغبار في هواء بيتنا منذ يومين، طويلين، كئيبين.
اتصلت بالشبكة، تصفحت المواقع التي أتصفحها يوميا، و شهريا، و سنويا، بل حتى التي لم أزرها يوما، لكن عبثا، فلا تزال الهمسات تترد في ذهني أقوى بدرجات من قرعات طبول الحرب.
فتحت برنامج الرسائل الفورية، و بدأت بطقوس السلام على الجميع في مخالفة صارخة لقانون " الوقت من ذهب" الذي ألتزمته منذ أسابيع، فعقارب الساعة أبطء من المعهود منذ قرون.
تحدثت بأحاديث سمجة، اعتيادية، تقبلها البعض ببرود، و الآخر مجاملة، أغلقت البرنامج، و عدت لتصفح المواقع، المنتديات، المدونات، دون أن أقرأ حرفا واحدا.
طُرق الباب طرقات حذرة بدأت بوتيرة منخفضة، ثم علت شيئا فشيئا، أدرت كرسيي نحو الباب، و قد جف حلقي، و هرب الدم من عروقي، تساءلت: " أهي ساعة الصفر! يا جنى"
كان يكفي أن أنطق بـ" أدخل"، ليدار المقبض، لكنني نهضت و أدرته بنفسي، لعل موجات القلق الرابضة فوق صدري ، تنجذب للأرض، و تخفف من ثقله.
فتحت الباب بنصف فرجة، فظهرت لي ملامح أختي المرتبكة.
- أريد أن أحادثك في أمر مهم!
قالت و عيناها تعانقان ملامحي بتوتر.
تحشرج صوتي، و انسد حلقي بغصة الحقيقة، فهذه ساعة الصفر بلا ريب.
أطبقت شفتاي بقوة، مانعة لساني من فضح نبرات صوتي المهزوزة، و سحبت الباب متراجعة للخلف، لأسمح لها بالدخول.
بدت لحظة مترددة، فأخرت قدماً، كما لو كانت تنوي العودة، لاح لي طيف أمل وردي للحظات، فامتلأتْ عيناي بالبشرى، لكن لحظات أخرى أسرع وتيرة من سابقتها حولت البشرى لمأتم عندما قدمت قدمها الأخرى.
قوست رأسي للأسفل، لأواري دمعة ألم.
أقفلتُ الباب، و تبعتها ببطء، جلستُ على الكرسي، و رفعتُ نظراتي لأتأمل ملامح أختي كغريمة لأول مرة في حياتي.
أشحتُ عينيّ عن شفتيها المضطربتين، و غرستهما في الأرض، و قد عادت بذات النتيجة التي أعرفها يقينا منذ سنوات.
فلم تمتاز يوما بجمال يخلب الألباب، غير خيوط حريرية -أشد سوادا من ليالي آخر الشهر- تصل لمنكبيها، و ثغر صغير ممتلئ عذوبة.
قلت أستحثها على الكلام بشبح ابتسامة:
- ماذا هناك؟
فأصعب لحظات الموت ألماً هي اللحظات التي تسبقها.
أصدرت صوتا من حنجرتها، ليبدو صوتها أكثر وضوحا، و قالت:
- ما رأيك بخطبة فارس لي؟
سبحت عيناي في محتويات غرفتي، أبحث عن إجابة عند: شموعي الحمراء المطفئة منذ زمن ليس ببعيد، مرآتي المحفوفة بزنابق بيضاء متعلقة بقلوب حمراء، غطاء سريري الناصع بياضا و الموشى بكلمات ملتهبة حمرة تصرخ بكلمات العشق. فوجدت خناجر تطعن و تمزق قلبي بلا رحمة.
هربت من رموز الحب لأرضية غرفتي، لعلها تعيرني شيء من صلابتها و صبرها على دوس الأقدام، فاختنقت بخيوط خربشة حمراء رسمتها بعناية منذ زمن، تُقْرَأ:
" When will my man come? *"
رفعت عيناي لها، فعانقتني نظراتها باعتذارٍ رفضته كرامتي.
قلت و قبضة فولاذية تخنقني:
- لا أدري.
سقطت عيناها في بحر حزن، صارعتُ أمواجه منذ أن لامست الهمسات أذني، فأضفتُ لانتشلها منه:
- اسألي أبي، سيعرف إن كان كُفْءً أم لا!
ردت و وميض أمل يسطع من عينيها:
- سألته، و أثنى عليه كثيرا.
لو كان لاحتراق القلب دخانا و رمادا، لكنت من لحظتها نسيا منسيا.
أردفتْ، و قد اختفت رائحة الحماس من صوتها:
- هل توافقين على زواجي منه!
أشحت ببصري بعيدا للنافذة، حيث لا شيء يذكرني بالحب، و الزواج، و فارس الأحلام اللاموجود إلا في أحلامي، و قلت بسخرية حجبت بها ألمي:
- و هل ستأخذين برأيي !
صمتَتْ، فصرخ الصمت لا.
ابتلعت مرارة ريقي، و قلت:
- لا أستطيع أن أقول أني موافقة، فقد استطعت لتوي بعد سنوات من انفصال أمنا عن أبينا تجاهل حديث الناس عن هذا، و لا أدري متى سأستطيع تجاهل حديثهم عن زواج أختي التي تصغرني!
سقطتْ جمرتا قهر على وجنتي، مسحتهما بطرف إصبعي، و واجهت عيناها بعيني اللامعتين قائلة بابتسامة صارعتُ لأرسمها:
- لكن سأدعو لك بالتوفيق.
**
استطعت تجاهل مشاعري، و أنا أرى احمرار وجهها خجلا من كلمة ما قالها،أو همسها في الهاتف، ابتسامتها السعيدة التي لم تفارق محياها، خروجها لسهرات عشاءٍ مع خطيبها...
لكن لم أستطع تجاهل مشاعري، و أنا أراها تزف بفستانها الأبيض اللامع لعرش قلب حبيبها.
حاولت السيطرة مرارا على دمعاتي المتلألئة بفعل الأنوار الساطعة و المتسربة خفية من خلف أختي، لكن عبثا، فقد فلت زمام مقلتي من يدي.
قوست جسمي في ذلك الظلام الدامس، لأعدل ذيل فستانها متحاملة طعنات تدمي قلبي، و مسحت دمعتي المائة التي ذرفتها تلك الليلة، قبل أن أستقيم واقفة، فالتقطت أذني من بين أصوات الدفوف سؤال إحدى الجالسات:
- أهذه جنى !
ارتفع ضجيج الدفوف فاختفى الجواب بين جلبته، لكن صوت الأولى الجهوري أعاد لي شيئا من طرف الحديث:
- تقول ابنتي أن العروس تصغرها بعام، و لم تتزوج بعد!
خفتت صوت الدفوف ليغني المغني فسمعت رد الأخرى:
- صحيح، رغم أنها أجمل منها.
صاحت مستنكرة:
- و كيف وافق أهلها؟
أجابت بصوت المستوثق من كلامه:
- " شاوروا أختها، و وافقت"
مسحت جمرة متقدة قهرا، و خطواتي تتراجع لآخر القاعة، فلا يعلم هؤلاء، أن لب الموز لا يبدو أبداً أصفراً كقشرته.
تمت