بخطواتها المتثاقلة تقطع المسافة بين غرفتها والشرفة . وفي هذه الليلة وبما لم تعهده في نفسها من قبل . شعرت بنوع من الاستسلام.وجدت نفسها عاجزة من الانعتاق من قيد هذه الغرفة . شعرت انها تضيق عليها جدرانها .
وقفت امام سريره وبدا وجهها منكمشا .. رسم الزمن عليه أثارا وخطوط لا تمحى .. جست حرارته , جست نبضه .بكف راعشة. تمتمت بكلمات مبهمة , أخذت تنظر اليه بكل حنو, حملته بين ذراعيها . واسندت ظهرها على النافذة . واستسلمت للصمت .
ها هي خطوط الشمس تزحف نحو المغيب - الاطفال اتعبهم اللعب , وعادت الطيور الى افنانها, وما عادت نهمة للسفر في فضاءات الجنان.
نظرت الى ساعة الحائط . حينما تتعلق نظراتك بعقارب ساعة . لترسم لك جميع تفاصيل الانتظار .. بملل وسئم كبيرين . كل ما حولك يوحي فعل الغياب
اضطرب شريط الذكريات امامها .. نقلها الى محطات لولبية ضبابية وراحت تتخبط وتتماه مع احلامها
الضوء الخافت يفشل في توزيع النور الى جميع أركان البيت المضطرب وظلال الموجودات التافهة تترنح في فضاء البيت .. خيل اليها أنها تسمع وقع قدميه يطرقان الأرض خارج الجدار , انها تسمع صوته ينادي " أمي " أصاخت السمع أرهفت قلبها انتصب نصف جسدها الأعلى وأرهفت السمع .
.. نظرت عبر النافذة. حيث تراقب المدى ، و غابت بفراغ عابث . وبدأت تتزاحم في رأسها شبح صورة لرجل عريض المنكبين, سامق الطول , وقد خمنت بإن هذا الرجل كان ينظر اليها . غير أن الصورة لا حراك فيها , وحينما دققت النظر بدت لها ملامح الصورة اكثر وضوحا الى حدٍ ما .
داهمتها رغبة شديدة في البكاء . تمنت ان تبكي بحرقة . إستجابة لفكرة اخذت تدغدغ مشاعرها . حاولت استيعاب فكرة غيابه – غشاوة الدموع جعلته سرابا . اساخت السمع مرة اخرى لكنها لم تسمع سوى وجيب قلبها.
هجرها النوم ، اخذت تلوب في فضاء الغرفة البائسة , تستنجد شيئا ما يغرس في قلبها الصبر والعزيمة شعرت بالخيبة والحزن الأليم , ولاذت من جديد منزوية في مكانها المعتاد حيث العتمة كانت أشد مما هي عليه في الصالة وعادت تتكور حول جسدها من جديد .
واستسلمت لهواجزها . أُذن ترصد النافذة وعيون زائغة تخترق الظلمة خلف الأبواب وحوار مع الذات اشبه بالنشيج. هل سيأتي لزيارتي اليوم؟؟
ويتمدد السؤال .. ولكن ؟
ربما ينتهي العمر وانت تراقب المكان او ترحل مع المدى , تعيش تحت الخوف ورعب الايام ، ولا تمتلك سوى المضي قدما في سراب عابث.
اعود الى نفسي علني اتغلب على ثقل الوقت وثقل لحظاته.. أخلو الى نفسي. تناوشني أحاسيس الانتظار .. لكأني ارى الزمن يتوقف . لا ألبث ان اعود الى حجرتي. استنجد عقارب الساعة فتخذلني .ابعثر اوراقي حولي فلا تفلح في انتزاعي من قلقي الراهن .. بين ارتعاشات القلق ومحاربة الوقت .. غاصت في ردهات الماضي البعيد.مررت اصابعها على الورقة تستنطق احرفها السوداء الكبيرة تسألها عنه ,, اخترقت هدأتها , رائحتة تعطر المكان .
كان قلمي ما زال مستقرا على صفحة ذات حروف عابثة ، احدق بها اقلبها . اعيد قراءتها .ثم اعيدها الى وضعها من جديد .. اقراءها للمرة العاشرة .تطالعني الحروف , وابحر في تلوينات الشفق الراحل على خط الافق .أحدق في الفراغ الممتد أمامي . ويستولى الصمت لا يخدشه سوى صوت صرير قلم اخرس على سطور بيضاء
وتغرب الشمس في صدري ولا شيء سوى الفراغ والغثيان وذكريات واقع مرير..
بعض نسوة الحي قلن لي عندما يتزوج سيتركك وينسى ان هنالك كفا كان يراعاه . "وبعضهن ضحكن ساخرت هم هكذا . نربي ونعلم ولكن عندما يمتد بنا العمر لا نجدهم .
لقد سرق الانتظار مني كل شيء . وانقضى العمر على الموعد المحدد فترة طويلة, طويلة جدا من عمر المواعيد . كانت غرفتي تتهادى وتتمايل بي كقارب ورق عائم يتناوشه الموج من كل جانب
واخذت عقارب الساعة تشاكسني من جديد . وعم السواد كل دجى الدنيا , كل الملامح صارت رمادية, أدمنت الليل الذي أبى أن ينتهي اوجاعه وانا احاول ان امزق طيفه الحائم على ارصفة الانتظار
ساشكوك اليه نعم سأقول له انه عقني . هل رأيت يا أبــــ ا ... و قفزت الى الباب بهمة صبية مترفة واخذت تنادي بأعلى صوتها يا أبا .... تسمرت مكانها ضغطها الألم . دمعة فقط استطاعت ان تعبر الوجه المتيبس مدت يدها متكاسلة فمسحت دموعا واخزة غزت خديها وانحدرت شاقة طريقها الى زاوية الفم الذي حاول ان ينطق ولو بحروف متلعثمة لكن الكلام تجمد .. وتحول الى تمتمات غير مسموعة , كان عليّ ان أعي .. أني أترقب وهما حلما آخر بعمري ..وما الوهم إلا حكاية مذهلة . كان علي ان أعي انني إمرأة بلا اولاد بلا زوج وبلا حبيب , واني مجرد .... حالمة
مودتي لكم
آيات كنعان