شبحية
قلبته بين يديها كجمرة متقدة تلسع أطرافها، و عقلها غائب بعيدا. بعيدا عن كومة الأوراق المركونة حيثما اتفق منذ يومين، بعيدا عن قلم فُتِحَ منذ ساعات دون أن يجري على البياض أو بين الخربشات، بعيدا عن طاولة مكتب التصقت بصدرها لتمنحها شيء من الأمان المفقود ، بعيدا عن هاتف خلوي يقذف من يد مصفرة لأخرى شاحبة كطفل يرجى صمته أو هدوءه برتابة الهزات، بعيدا عن كل شيء له اسم أو دون في غرفتها الهزيلة من كل شيء إلا الفراغ.
أعاد شيء من عقلها الغائب، صرير الباب المدفوع بخشونة قبل زمجرة أختها المنادية:
- سلوى، و وجع.
رفعت ناظرين يرمشان بهدوء لا يعكره صرير هاتفها المستغيث. زمجر البارود:
- ألا تسمعين هذا الرنين، أم أصبت بالخرس مؤخرا!
أخفضت طرفها لوهلة، لذاك الشيء الذي لم يكف عن النياح منذ نصف ساعة، و قالت بهمس شارد:
- كم الساعة؟
كادت أن تقذف إناء الزهور البلاستيكية المتعفنة منذ دهور في وجه كائن الجماد، لكنها تراجعت متذكرة أن ثمة قطرات دم قد تسيل من وجهه.
دست سبابتيها في أذنيها و قالت صائحة:
- أنظري لساعتك! و غيري صرير هاتفك لنغمة أخرى، إذا أردتِ أن يبقى على قيد الحياة.
ثم خرجت صافقة بالباب لتثير غبار الجلبة التي نفضتها بدخولها.
لحظات، و سكنت الذرات في أماكنها، و الأصوات في الهواء، و النظرات في محاجرها، و كل شيء اختفى في مخبأه، بخرس الهاتف الإرادي.
تنفست ذرات هواء استجدتها قبل دقائق، و وضعت هاتفها على الطاولة، فصلصلت دائرة فضية معلقة به، لتجمل موديل هاتف أثيرا في قدمه، و كثرة خدوشه. ثم قذفت توترها مع زفير رئتيها و هي تعيد القلم بين أحضان أصابعها، لكن طنطن هاتفها بنغمة مغايرة، و مفاجئة حد انقذاف القلم من بين أناملها توترا. مدت أنامل كأوراق الخريف، ترتعد بنسمة، و تسقط بنفحة للهاتف.
أخبرتها شاشة هاتفها أن هناك رسالة ورادة تنتظر خطب ودها. فتحتها باضطراب، التهمت الحروف المشتعلة بناظرين يتسعان، و ملامح تلين و تتشكل كصلصال من بعد جمود، بأيدي الاضطراب، و أنامل القلق.
ابتلعت حرقة الحروف، و نهضت.
ارتدت عباءتها، لفت حجابها. بحثت عن المفاتيح، التقطتها. أخذت هاتفها النقال، أغلقت باب الغرفة، مرت من بين صخب التلفاز و المتحلقين حوله.
كانت آلة آدمية مبرمجة لا تختلف عن الآلات الحديدية، باحتواء رأسها على قرص صلب، و انعدام عضلة النبض من صدرها. لكنها غدت في لحظات شبيهة بآلة لا آلة، عندما قال أبيها:
- أين ستذهبين؟
مدت شفتيها بابتسامة الآلة الملازمة لها منذ أن وعت بالفروق الزمنية بين أصناف البشر المتلاصقين سكنا لا قلوبا في مدينة واحدة.
- لصديقتي.
رفع ساعة معصمه النحيل الممتلئ بعروق حديدية قاومت تقلبات الزمن، و قال مبتسما دون أن يلقي نظرة حقيقية على عقارب الساعة:
- تأخر الوقت! أليس كذلك؟
التحمت عينيها بحذائها المعمر، و همست:
- أعلم، لكنها تريدني لشيء مهم.
- من هي!
سحبت نفسا، و وجهها يتلون بألوان بشرية ، لا يتلون بها إلا في وحدة أو أمام أبيها في هكذا موقف. ابتلعت حروفا جفت، و قالت متملصة بعجب مفتعل لم يخف على عينيه الثاقبتين كما تعلم جيدا:
- من!
- صديقتك!
- عبير.
همست. و إحساس عري يجرف ما يسترها للعدم، فتنتفض أطرافها كأغصان شجرة عراها نفحات الخريف.
- أقالت لك عن ذاك الشيء المهم!
توقفت أغصانها عن الارتجاف لتجمد أطرافها بصقيع الشتاء. هزت رأسها بلا. فابتعد ليفسح الطريق لها و هو يقول:
- انتبهي لنفسك، أولاد الحرام كثر.
هزت رأسها ببطء، و قد ذابت المفاتيح بين أناملها، و غرق هاتفها في أنهار عَرَق الانكشاف.
دلفت من فتحة الباب المواربة دون أن توسعها، فلم تعد الدنيا تفتح أبوابها كسابق عهدها، بل أصبحت تتصدق عليها بأبواب مواربة، تحشر نفسها بين دفتيها، لعلها تلج و تعيد بعض ما كان.
وصلت بسرعة رغم طول المسافة، و بطء عداد السيارة المعانق لثمانين، و أحيانا أخرى الستين. ترجلت بحذر، و عيناها تلاحقان مباهج الفرح المعلق أصداءه في كل مكان. تلفتت تبحث عن مستقبل أو مرحب، فأفلتت رياح هوجاء عقال حجابها لتطردها عن المكان. أحكمت حجابها، و عادت بخطوات سريعة لسيارتها العتيقة النافرة من بين عشرات السيارات الفخمة.
أدخلت قدما و تركت الأخرى تناوشها الرياح. ألقت نظرة على كل تلك الأصناف الفخمة من السيارات، ثم ردتها خاسئة لسيارتها العتيقة. و كلمات ملتهبة تحرق خلاياها:
(سلوى، أرجوك تعالي. رفض يوسف أن يزف لعروسه إن لم تأتِ، أرجوك، لا تكوني سبب في فضيحة لعائلتنا)
وضعت رأسها على المقود متألمة، من لسع سياط تلك الكلمات، لم تتخيل يوما أن تغدو سببا لفضيحة في نظر رفيقتها.
أبعدت رأسها عن المقود، سحبت نفسا طويلا، ثم خرجت لتدلف ذاك المكان الصاخب بفحش الثراء.
انكمشت في أول كرسي وجدته، لتخفي أطراف و أكمام عباءتها الرثة، تحت أغطية الطاولة المذهبة. ألقين من يشاركنها الطاولة نظرات استنكار لهذه الزائرة المتطفلة، و تهامسن متسائلات عن هويتها.
- أهلا سلوى.
صاحت فتاة من خلفها ترتدي فستان بلون حليب الشاي ، يكشف أجزاء من صدرها، و ذراعيها، و جزء كبير من ساقيها. و ينزل من شحمة أذنيها لؤلؤتين بقيمة تساوي بيت رفيقتها بما فيه. نهضت سلوى مبتسمة ابتسامة ضبابية. سلمت بأصابع مثلجة لم تغني رفيقتها عن احتضانها شوقا أو امتنانا!
همست في أذنها و هي بين ذراعيها:
- جيد أنك أتيت.
سحبت عبير ذراعيها الملتفة حول جسد رفيقتها، و أبقتها على ذراعي سلوى, تأملت جمود حاولت محوه عدة مرات. ثم قالت و ألم يلوح في لمعان عينيها:
- سيزف العروسان الآن، إلى اللقاء.
و تركت سلوى لعيون تنهشها بأدق تفاصيلها المزرية. جلست بانكماش روحي لا يعكس جمود و برود أقل سكناتها و حركاتها.
نثرت بتلات الورود، و ارتفعت الزغاريد، و شدا المغني يغني في بهاء العروس و دلالها، ويشدو في فضائل العريس. زاد انكماش روحها، و صلابة ابتسامتها الضبابية.
جلسا في قوقعة ضخمة كلؤلؤتين، خفتت صوت الدفوف، و نهض الحضور مهنئا، لكن قلبها لم يخفت عن الخفقان، و قدماها عن الاهتزاز.
انفض نصف الحضور بعد السلام على العروسين من القاعة. همت بالنهوض، فصر هاتفها معلنا عن مكالمة صادرة، التفت بعض من حولها لها مستنكرا. أحرجت، فضغطت زر الرد دون أن تقرأ اسم المتصل.
- آلو.
- أهلا سلوى.
قالت بخفوت المحرج، ثم أردفت:
- ألن تأتِ لسلام على العروسين!
نظرت حيث تقف رفيقتها فوق المنصة، و قالت بشبح ابتسامة:
- بلى، أنا قادمة.
خطت نحو حتفها متزودة بابتسامة شبحية. باركت لهما، و عينا أحدهما تبحث عن خيط ألم بين ثنايا شفتيها، على صفحة ملامحها المحفورة في دهاليزه، لكن لا شيء غير ابتسامة عرفها كجزء من ملامحها في حالات فرحها أو حزنها لا تتغير.
عادت أدراجها بابتسامة ساخرة، فلا يعلم ذا العينين أن قمة حزنها ابتسامة شبحية، و قمة سعادتها اللاابتسامة.
تمت