بداية :أن لا تفهم يعني أحياناً أنك بخير إلى حد لن يصله فاهم أبداً .
ولأنني وبكل أسف : أعلم وأفهم وأوقن .. أغفر وعلى شفاهي ترتسم ابتسامة سخرية مُرَّة .
لأنني أعلم كيف هو البعد قاسٍ عليك وكيف أنك تجاهد هذا الذي فيك كي لا تشعر بالحزن والألم والضيق . كيف تتخطى اللحظات بسرعة , وتحاول أن لا تدقق في التفاصيل .
التفاصيل دوماً قاتلة , أوقن هذا تماماً .
- كيفك ؟ كيف الجميع ؟ في جديد ؟
حينما ترد اتصالاتك قصيرة وسريعة ومُحملة بنبرة جادة ومستعجلة , مُكالمة أشعر فيها بأنك تسابق أنفاسك , وتعد الثواني وتحاول جاهداً أن تصل للختام , أصل إلى مالا يمكن أن أصل إليه عادة . وأشعر بالسياخ القائمة في صدرك وأنت تحاول أن تتصرف وكأنها غير موجودة .
- طيب سلمي عليهم , ولو احتجتوا شيء عطيني خبر .
تُغلق السماعة وأوقن بأنك تنغمس في أمر ما سريعاً , تحاول أن تهرب من السياط التي تجلد دواخلك , تحاول أن تتصرف كأن شيئاً لم يحدث .
وأغلق أنا السماعة , وأضحك . أفهم تماماً كيف يكون شعورك ! . أعلم كيف تحاول أن تتخطى النار التي تشتعل في جنبيك . وأمام هذا الذي يحصل لا أملك أكثر من أن أواصل التجاهل . وأنا أعلم بأن النار التي نستطيع أنا وأنت أن نطفئها , هناك من يحترق بها دون أن يتوقف . ولا أفعل شيئاً !. يعتقدون كثيراً بأنك مذنب وجاحد وأناني , وأنا أعتقد بأنك مسكين لا غير .
تُرى كيف كان الاختلاف فيما بيننا كبير هكذا؟ , كيف نحمل قدرة على تجاوز حواجز اللهب , نحترق ولكننا نتجاهل تماماً مسألة الألم في سبيل أن نصل إلى النهاية وهذا هو المهم . وهذا مايجعلنا مساكين حقاً .
بالله عليك ; أعطني مُسمى مناسب لما نشعر به ؟ لما نمر فيه ؟ لما يحصل معنا !!! . هذا الذي يهبنا صفة بعيدة عن صفات البشرية وإن كانت تبدو من صميمها تماماً . ولا أفهم .
لا أفهم لما أفهم !! , هل لأنني أمر بشكل شبه يومي بعذاب مشابه لما تشعر به ؟ , لأني أتجاوز كُل خيوط الألم والندم والحزن التي تحرقني وتشعرني بالذنب , لكي أواصل لا غير . كم نبذل في سبيل أن لا يفوتنا قطار الحياة الذي لا يتوقف . كم تجاهلنا رائحة قلوبنا المحترقة لأننا نعلم يقيناً بأنهم لن يفهموا لكنهم سُذج وحمقى كفاية حتى ينقلبوا علينا أو يتقبلوا الأمر على أقل تقدير .
هل ترى بأن الوضع مختلف ؟ هل تعتقد بأني أحرِّف الحكاية وأُحملها مالا تحتمل .
[ كثيرة التأويل ] كما قلت دائماً . ولكن هُنا , أعلم بأني محقة .
ولا تعلم كم تمنيت لو لم أكن كذلك . لو لم أكن واعية لهذا الحد . ومحقة إلى هذه الدرجة .
لو كان بإمكاني أن احترق ببساطة وأعبر عن احتراقي بأشنع الألفاظ أو على أقل تقدير أن أمارس الاحتراق بشكل علني يخفف من وطأة اللهيب في داخلي .لو كان بإمكاني أن أمارس أدوار تشبه أدوارهن , أو أدوار مساعدة على الأقل لربما اختلف الوضع , ولكن :
ولأنني أعلم وأفهم وأوقن , وجب علي أن أغفر وعلى شفاهي ترتسم ابتسامة .