في القرن الخامس الهجري كانت الكتاباتُ والرسلُ تتردد بين حكام أوربة وحكام الأندلس الإسلامي؛ لإرسال بعثاتٍ طلابية أوربية لتلقى العلم في بلاد المسلمين، حفظ التاريخ من تلك المراسلات ما حفظ؛ ليكون شاهداً لحضارة الإسلام، وضاع منها ما ضاع، وكان من بين ما نقله التاريخ إلينا تلك الرسالة التي أرسلها حاكم انجلترا وفرنسا والسويد والنرويج آنذاك إلى خليفة المسلمين في قرطبة، والتي تبين واقع الحال في تلك الحقبة الزمنية، وتدل على تقدم المسلمين في الوقت الذي كانت أوربة فيه متخلفة في شتى المجالات . ونص الرسالة يقول:
«صاحب العظمةِ هشام الجليل المقام، بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهدُ العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباسَ نماذج هذه الفضائل؛ لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم؛ لنشر أنوارِ العلم في بلادنا التي يجتاحها الجهلُ من أركانها الأربعة» إلى آخر رسالته التي تقرب فيها هذا الحاكم الأوربي إلى خليفة المسلمين بهدية أرسلها مع البعثة الطلابية الأوربية، ثم ختم رسالته بتوقيعه قائلاً: من خادمكم المطيع جورج (1). أ هـ
لقد كان هذا الحاكم الأوربي الذي كان يحكم أربع دول أوربية كبرى يتزلف للحاكم المسلم في الأندلس بجميل العبارات، ويخضع له بالكلام، ويتقرب بالهدايا؛ التماساً لرضاه، وكسباً لوده.
بيد أن ذلك لم يدم للمسلمين، بل انقلب الأمر رأساً على عقب، ودالت الأيام، وتبدلت الأحوال، وانقلب الميزان، وعز من كان بالأمس ذليلاً، وذل من كان بالإسلام عزيزاً؛ فسبحان من أدال الأيام، وبدّل الأحوال، وسن السنن.
وحينما كانت البعثاتُ الطلابية النصرانية تفد إلى ديار الإسلام وحواضره لتلقي العلم رغماً عن رجال الكنيسة، كان ذوو هؤلاءِ الطلاب، ورجالُ الكنائس يبذلون كلَّ جهدِهم لوضع حواجزَ نفسيةٍ في نفوس هؤلاء الطلاب وعقولهم تحول دون تأثرهم بالإسلام وحياة المسلمين، ولقد بلغ من حرص الكنيسة على هذا أنها أصدرت قراراً كنسياً تقول فيه: «إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين يبدؤون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان» اهـ(2).
********************************************
1) وهذه الرسالة كانت موجهة إلى الخليفة الأندلسي هشام بن الحكم المستنصر (366-399هـ) انظر: مقدمة الدكتور عبدالمعطي قلعجي على كتاب الاستذكار لابن عبدالبر (1/13-14) ومجلة الفيصل عدد (324) ص (61).