...
..
.
لكل عذاب نهاية .. ولكل طريق مفترق ..
ظلام الليل وأوتار القمر وقسوة الشتاء تسامرني ..
كل شيء أمامي يكمن فيه حزن وكمد ..
كل شيء هاهنا يبدو مكلوما كئيبا ..
حتى أوراقي المبعثرة في مدى ذاكرتي ننمتم ساكنة من نفح الرحيل ..
لك الله أيها الزمن القاسي فلكم قسيت علي بلا رحمة وفجعتني بلاهواده ..
لك الله أيها الزمن طالما تحملت وسهرت لوحشية مازالت تنبض بداخلي حيّة ..
وبس قد إرتسم لي شبحا فبات لايفارقني ..
....
ذكريات الآلام والعواصف مازالت ترمقني من خلف كثبان الحسرة بداخلي ..
دموعي الحرّى مازلت أكتب بحبرها شكوى على جدران الضياع الرهيب ..
ولكن !!
لكل عذاب نهاية .. ولكل طريق مفترق ..!!!!
وهاأنا ذا راحل بعذاب السنين وقهر الأيام ..
ماأصعب أن يكون عذابي هذا على كف تلك اليد الرحيمة التي ربتني ولكنها خانتني من أجل إمرأة حلت محل أمي ..
أمن أجلها ياوالدي بصمت عليّ بالعقوق والإهانة ..؟؟
راحل ياأبتي أجر خلفي وحشية الدنيا وظلمة القهر والعذاب ..
راحل ياأبتي هاتفا لك بدموع حرّى مكتزنة في مقلتي ..
راحل ياأبتي فساعتي قد أعلنت ذلك ..
راحل بلاوداع لتبقى دموعي المعذبة مسطرة آثارها في مسافات الرحيل !!
....
لملم متاعه وزاده القليل بعد أن وضع الرسالة في مكان بارز ..
وقبل أن يخرج من باب حجرته رمق تلك الحجرة الصغيرة بنظرة تبعتها دمعة ..
إحتملت الكثير من المعاني .. لأنها النظرة الأخيرة ..
وخرج يخفي بين أهدابه دمعة أخرى في صمت رحيله ..
خرج من منزله القديم يسير في دروب مجهولة تحفها المصاعب والمكاره .. وتغطي سمائها ظلمات الليل ..
إستقل مركبة الرحيل وتوجه تلقاء المدينة يختلج قلبه بين نارين نار الوحدة والقرية .. ونار الفراق ..
تحفه أهازيج أمل مدفون بأن الليل يعقبه إنبلاج الفجر .. وبان مع العسر يسرا ..
....
في المدينة .. حيث الغربة والوجوه المختلفة تماما عن أهل قريته .. وجد من يكون له عونا صادقا بعد الله تعالى ..
حيث إستأجر دارا صغيرة لأحد أهل المدينة بجوار مسجد الحي الكبير .. فوجد فيها أنسه وارحته بعد عناء السنين في بيت والده ..
ووجد من صاحب الدار ومن بجواره أهله وخاصته كل ترحيب وعون .. بعد أن فقد هذه الميزة في قريته ..
إستمرت حياة ذلك الشاب .. وقيظ الله له ذهنا صافيا إستطلع أن يكمل به تعليمه سنة بعد سنة .. ويتفوق .. وفي المساء يعمل بأجرة بسيطة ينالها كل شهر يسد بها رمقه ومستلزمات دراسته وأجرة داره الصغيرة ..
إستمر هكذا في حياته هادئا !! إلا من ذكريات مريرة كانت تزحف به إلى عالم الكوابيس .. فيتلوى من حرقتها وألمها .. لكنه كابد حتى نال شهادة أهلته لأن يكون طبيبا ناجحا في مدينته .. إشتهر على إثرها وراجت سمعته ..
لكنه مع ذلك مانسي والده والتفكير فيه .. ففتحت أمامه نافذة ذكريات وصورة والده الفقير المريض .. فتسقط دمعاته سخية تبلل مساحات الحرمان في قلبه .. دمعات لم يحس بها سواه ..!!
....
في يوم من الأيام وبينما هو في مكتبه وحوله المرضى هذا يتأوه وذاك يئن .. دخلت عليه عجوز سمرا اللون عمياء .. تقودها إبنتها إلى حيث مقره .. وكانوا هم آخر زواره ذلك اليوم ..
كانت المرأة العجوز تعاني من تأزم شديد في صدرها .. وكانت تكح بإستمرار ..
لمحها ذلك الطبيب وكانت نظرته لها غريبة !! ولايدري ماهو سر الغرابة فيها .. نظرة غريبة على كل حال ..
بعدما إنتهى من تمريضها وكتب لها مجموعة من الأدوية .. أخبر إبنتها عن ذلك .. وخرجتا من غرفته .. وأتبعهما بنظرة مازالت غريبة أيضا ..!!
وبدوره رتب أوراقه وهو في مكتبه وألقى نظرة على بعض كتبه .. وصفف جدوله وكعادته عندما إنتهى خرج من الغرفة متوجها إلى منزله ..
ولكن ياإلهي ..!!؟؟
مازالتا كل هذه المدة جالستان لم تذهبا ..!!
إقترب منهما فكانت العجوز تمسح دمعات من عينيها وتتمتم بكلمات لم يفهمها .. بينما كانت إبنتها سارحة في عالمها .. سألهما : هل من يوصلكما ؟؟
فأخبراه : أن لا أحد .
فقال لهما : إن لديه من الوقت مايسمح له لأن يوصلهما ..
وركباه معه السيارة متوجها لقريتهما ولمنزلهما ..
في الطريق مازالت النظرة الغريبة والتساؤل الحار يملأ مابين جنبيه ..
لم يكن ذلك الدرب غريبا عليه .. ولم تكن رائحة التربة برائحة جديدة .. فكل شيء يهتف له بالماضي المرير ..
في المركبة سأل المرأة عن والدهم فأجابته بدموع مستكنة في جوارحها .. فأجابت إبنتها وهي تختلج بدمعات أن قد أثقلته الديون والأمراض ثم أصبح مقعدا .. ولما زادت عليه ديونه .. أودع السجن خلف قضبان العذاب ..
وبقيتا هما وحيدتان ثم .. ثم .. أجهشت بالبكاء المرير ..
زادت عنده حدة النظرة الغريبة .. لينساب دمعه سخيا وكأنه ينزف من بحر لاساحل له ..
وكان هو يجهل سر الإجهاش الغريب في البكاء ..
وصلوا إلى الدار المقصودة .. نزلوا من المركبة .. جميعهم إلا هو فقد تسمرت قدماه عند أول مفترق الطريق .. نزل ولكن أطرافه كانت ترتجف ولسانه عقد من هول الدهشة .. بينما كانت الفتاة تساند أمها في النزول .. وتشكر الطبيب لطيبته وتحمل التعب من أجلهما ..
....
دخلتا البيت .. وبحركة لاشعورية تبعهما وهو يبكي .. وتدور عيناه في أرجاء المنزل القديم الذي لم يكن سوى منزله .. منزل الذكريات المريرة .. ولم تكن تلك العجوز العمياء سوى زوجة أبيه التي لاقى الهوان على يديها وتسببت في طرده .. ولم تكن تلك الفتاة سوى أخته التي كان يفضلها أبيه عليه ..
ولم يكن ذلك الشيخ المتوفى من كثرة دينه وتعبه وسجنه سوى والده الحبيب الراحل ..
آه .. ماأصعبك أيها الزمن القاسي .. وماأضيقك أيتها الدنيا ..
جال بعينه في أرجاء المنزل فرأى سرير والده المتهالك .. الذي قد رسمت عليه صورته وهو يرمقه من بعيد .. وشجيرات كان قد زرعها بيديه لم تبقى سوى آثارها تهتف له ..
ألقى بنظرة على جدران البيت وسقوفه وأرضه .. فسمعها وكأنها تهتف له بعدما أكل الدهر عليها وشرب ..
توجه إلى غرفته التي كان يسكنها .. فماوجدها إلا مثل المقبرة المعمرة .. ولكن فيها بقايا من ذكريات ..
فمازالت هناك طاولة وكرسي مذاكرته .. توجه إليها مسرعا وفتحها ..
فوجد كراسة التعبير للصف الثالث متوسط .. وقد كتب في الزاوية اليسرى وبخط أستاذه الحبيب ..
وفقك الله .. أحسنت وإلى الأمام يابني .. وحاول أن تتغلب على الظروف ..
فقد كان ذلك الموضوع الذي كتب له أستاذه ملاحظته هذه تعبير عن المعاناة ..
ووجد في درجه الآخر رسالته التي كتبها في ليلة رحيله بكلمات متهالكة لم يستطع أن يقرأ منها سوى :
لكل عذاب نهاية .. ولكل طريق مفترق .. وهاأنا ذا راحل بعذاب السنين وقهر الأيام ..
تـــمــت
بقلم : محمد العنزي
.. روح الوافي ..